هل يمكن للهوس العابر أن يتحول فجأة إلى عشق ضالع ومقيم ؟ وهل يمكن لقسوة الحياة والأحكام الجائرة في مجتمعات صغيرة ومغلقة أن تجرد ضحاياها من فتات الفرح، ومن فرصة البحث عن مخرج أو تجربة جديدة، وأخيرا هل يمكن التعايش مع الألم عندما تتحول الأرض كلها إلى حقل من الخناجر والأشواك؟
هذه الأسئلة الشائكة وغيرها هي ما يحاول الفيلم الروائي القصير "مريمي" ــ صيغة شعبية مخففة لاسم ( مريم ) ــ والذي كتبه السيناريست والشاعر الإماراتي محمد حسن أحمد وأخرجه البحريني علي العلي أن يجيب عليها، وإن كان ذلك من خلال وسائط ضمنية كالرمز والإشارة والتأويل.
من هذه الأسئلة أيضا يمكن لصهيل الروح أن ينطلق مثل صرخة مدوية في وجه الظلم الاجتماعي، وسعار التهم والإشاعات التي تطارد ضحاياها دون ذنب واضح ودون دلائل جلية.
أجراس الليل
قد تكون اللقطات التمهيدية في الأفلام هي ترجمان أو لسان الفيلم إذا استطاعت هذه اللقطات بالذات أن تأسر حواس المشاهد وتقحمه في صميم الحبكة منذ التلامسات الأولى بين العين والشاشة.
ولعل هذه المصيدة البصرية أو الغواية الناعمة التي نتحدث عنها هي ما نجح فيلم ( مريمي) أن ينصب شباكها منذ البداية وأن يوفر الأرضية التي تنساب عليها بعد ذلك تفاصيل الفيلم وغاياته وشفراته المبطنة.
يبدأ الفيلم بلقطة تبدو أقرب للفنتازيا الحلمية التي تخترق البدايات التقليدية للأفلام وتورط المشاهد في قلب المتاهة البصرية الجامحة دون ترتيبات مسبقة أو تمهيد كلاسيكي، تخرج الراقصة المجهولة بثوبها الأخضر وسط مزارع النخيل وكأنها تروض عزلتها بأجراس الليل وعتماته الرحبة، فوسط أحراش وغابات داكنة وملتوية يتماوج جسد الراقصة المتدفق والسيّال وكأنه جسد عائم فوق الضباب أو كأنه طيف يختلج بأجنحة من نور.
تتداخل تترات البداية مع اللقطة كي لا يحدث قطع أو تأثير على بنية المشهد التأسيسي، واستطاعت الموسيقا المصاحبة للقطة والمكونة من ضربات العود والدف وترنيمات الكمان وصوت الخلخال أن توفر هي الأخرى مناخا سمعيا موازيا للقيمة البصرية وللثقل الجواني الموزع بعناية داخل النسيج الإيحائي والتأويلي لأزمنة الفيلم ومشاهده القادمة.
المشهد التالي في الفيلم لا يتخلى عن غموضه المتخفف والمكمل للمشهد التأسيسي، حيث نرى شخصا متلفعا بعباءة سوداء وسط الليل والمزارع ونسمعه من خلال مونولوج داخلي وهو يقول أن : " الصياد لا يحتاج لحمل سكاكين في يده، لأن السمكة تموت لوحدها عندما تغادر البحر، ولكن أسماك القرش المتأهبة على البر هي التي يجب أن يحتاط لها الصياد، والسكاكين يجب أن توجه لها وحدها كي لا تحرم الصياد من غنيمته".
الحيرة الضارية
ومع المشهد الثالث نكتشف تدريجيا المسارات المدبرة للفيلم، ففي منزل شعبي متواضع يعكس زمن الفيلم الذي يعود إلى البيئة البحرينية في الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي، نرى رجلا مسنا ــ يقوم بدوره الفنان البحريني القدير مبارك خميس ــ وهو يلوم المرأة التي تسكن المنزل ويوبخها على إساءتها لسمعة الحي كونها تعمل راقصة تعرض خدماتها لتجار الفريج بمساعدة مجنون الحي (عثمان) ــ يقوم بدوره البحريني جمعان الرويعي ــ، ويمعن الرجل في توبيخها لأن زوج الراقصة كان يعمل مؤذنا ، وأن سمعته قد تلوثت الآن بسبب هذه الأرملة التي لم تخلف له سوى العار والصيت الملوث، الراقصة ( مريمي ) ــ تقوم بدورها الفنانة البحرينية فاطمة عبدالرحيم ــ لا ترضخ للتوبيخ وتجيبه بأن كل رجال الحي متشابهون وأنهم يعاملونها كقطعة لحم لا أكثر وحتى هذا الرجل الذي يتحدث معها الآن ويلومها على هذا الوضع هو أحد اللاهثين خلفها والمتوددين لها، يخرج الرجل غاضبا من تعليقها ويتركها لحيرتها الشخصية الضارية.
وفي مفترق بصري آخر تذهب كاميرا المخرج لتصوير العوالم الحميمة لعثمان المجنون والذي يصطاد أسماك الساحل كي يهديها لمريمي، والتي يشبهها دائما بالسمكة الملونة التي لن تغادر مياهه أبدا، وأنه قادر على إيذاء التجار وعلية القوم الذين ترقص لهم لو حاولوا مجرد لمسها والتحرش بها، هذه العلاقة الداخلية الآسرة التي تلون الفراغ الروحي والعاطفي لعثمان تنتقل شرارتها لمريمي نفسها، فهي امرأة حرة ولا يملكها أحد رغم فقرها واعتمادها على الرقص كمصدر وحيد تعتاش منه ولكنا في ذات الوقت جائعة للأمان وللحنان المدخر، حتى لو كان هذا الحنان مصدره شخص يصفه الجميع بالمجنون ولكنه وفي العمق كائن يحلق بأحلامه ورغباته فوق جغرافية البؤس المحيطة بالمكان.
هناك أيضا ثمة جرح مشترك يجمع مريمي بعثمان، هذا الجرح الذي يشرب من ملوحة المياه الآسنة في قلوب وعيون الأهالي، هو الذي يحصرهما في منطقة نائية ومقصية، ولكنها بالنسبة لهما أشبه بالفردوس.
فوسط هذه الجنة المقفلة والمستترة من الرؤى والأحلام ومراسلات العشق الصامتة توافق مريمي على الزواج من عثمان، وتنساب كاميرا المخرج مع شعرية الحدث التي تتعلى فوق السرد القصصي والتسلسل الزمني، كما أن اللقطات العلوية التي اعتمد عليها الفيلم كثيرا داخل منزل مريمي وفي مشاهد المحبة الجوانية المشتبكة بين الثلاثي عثمان ومريمي والبحر، تحولت إلى لقطات دالة وبقوة على الرعاية والاحتضان السماوي لهكذا شخصيات معذبة ومحرومة ومرمية بعبث وسط الجحيم النفسي والظلم والقهر الاجتماعي.
سمكة خارج الماء
عندما يجتمع عثمان بسمكته الملونة في بيت مريمي الذي صار شبيها بحوض كبير وواسع من الهيام والوجد والاشتياق العارم، تتحول غيرته وخوفه من خروجها إلى أمسيات الرقص إلى غيرة فائضة وإلى خوف مرضي، فخروج سمكته من حوض البيت يعني هلاكها وغيابها الأبدي عن مملكة العشق التي أسسها عثمان بصبر ودأب كبيرين، وفي إحدى الليالي عندما ترمي سيارة غامضة مريمي عند الباب وهي غائبة عن الوعي ومليئة بالجروح يتحول عثمان إلى كائن معطل وموجوع حتى العظم، كائن متعطش للانتقام من كل العيون التي لامست جسدها الراقص ومن الرغبات والشهوات التي حامت حولها وكان سببها أولئك التجار الذي لم يستطيعوا لمسها بأيديهم فلجئوا لاغتصابها بعنف ووحشية .
يتلفع عثمان بعباءة مريمي ويستعير خلخالها ويغيب وسط المزارع الليلية وبيده خنجر كي ينتقم من كل ثيمات ودلالات الظلم التي قضت على سمكته الملونة ولوثتها بأدخنة سوداء وهواء مسموم، وتعود ذات اللقطة التي رأيناها في بداية الفيلم فمن خلال مونولوج داخلي ونشيج متواصل من الوجع والعواء والتمزق نستمع لعثمان وهو يبوح بأن الصياد لا يحتاج لحمل سكاكين في يده، ولكن أسماك القرش ــ تجار الحيّ ــ هي التي يجب توجه لها السكاكين لأنها حرمت الصياد من أجمل سمكة اصطادها في حياته.
عموما استطاع فيلم ( مريمي) أن يترجم هيامات وعذابات الشخوص من خلال حوارات داخلية شفافة معتمدا في ذلك على سيناريو منفصل في تسلسله الزمني ومترابط في إيحاءاته ورسائله الخفية، كما استطاعت كاميرا المخرج أن تعبر عن حالات النشوة والخدر والهيام التي لا يمكن النطق بها شفاهة وصياغة ذلك من خلال المونتاج والتوليفات البصرية التي تعلي من القيمة الشعرية للصورة.
هذا الشعر الذي يمنحه المكان بكرم مضاعف ودون حاجة لديكورات مقحمة ودخيلة رغم عنف الحدث وقسوة النفوس.